لم يعد وصول وحدات من الجيش الجزائري إلى النيجر يثير التساؤلات بشأن طبيعة المهمة العسكرية وأهدافها فحسب، بل فتح الباب أمام فرضية أكثر حساسية تتعلق باحتمال إعادة ترتيب الوجود الروسي في منطقة الساحل، عبر إسناد بعض المهام الأمنية واللوجستية إلى الجزائر، في وقت تواجه فيه موسكو ضغوطا متزايدة بفعل الحرب في أوكرانيا وحاجتها إلى إعادة توزيع قواتها خارج جبهات القتال.
وفي تقرير بثته قناة «TV5MONDE» الفرنسية، الثلاثاء 3 نونبر الجاري، تحت عنوان «وصول أول الجنود الجزائريين إلى النيجر»، أشار مراسلها في منطقة الساحل، سيرج دانيال، إلى وصول قافلة عسكرية جزائرية إلى مدينة أغاديز، شمال النيجر، ترافق نحو ستين شاحنة صهريجية، وذلك بعد أسبوع من حصول الجزائر على موافقة برلمانها لإرسال قوات عسكرية إلى الخارج.
ورغم أن العملية أُعلنت في سياق إمداد النيجر بالمحروقات، فإن مرافقة القافلة بعناصر عسكرية أثارت تساؤلات بشأن طبيعة المهمة، وما إذا كانت تقتصر على تأمين نقل الوقود وتقديم الدعم اللوجستي، أم أنها تندرج ضمن انتشار أمني أوسع قد يشمل مواقع استراتيجية داخل البلاد.
وتعززت هذه التساؤلات مع تداول تقارير إعلامية تحدثت عن احتمال حلول عناصر جزائرية محل بعض القوات الروسية التي كانت موجودة في القاعدة الجوية 101 بالعاصمة نيامي، بعد استدعاء موسكو جزءا من عناصرها لدعم الجبهات المرتبطة بالحرب في أوكرانيا. ووفق هذه الفرضية، قد تكون الجزائر بصدد تولي بعض المهام الأمنية التي تسمح لروسيا بالحفاظ على ترتيبات نفوذها في النيجر، دون الإبقاء على العدد نفسه من قواتها في بعض المواقع.
غير أن هذه المعطيات تظل في نطاق التقارير والفرضيات الإعلامية، ولا تشكل تأكيدا رسميا على وجود اتفاق جزائري روسي بشأن إحلال قوات جزائرية محل عناصر روسية. ومع ذلك، فإن طرحها يعيد إلى الواجهة طبيعة التحولات التي يشهدها الحضور الروسي في إفريقيا، خصوصا منذ تفكك الصيغة القديمة لمجموعة فاغنر وإعادة تنظيم الوجود العسكري الروسي تحت إشراف وزارة الدفاع.
فمنذ مقتل يفغيني بريغوجين، زعيم مجموعة فاغنر، سنة 2023، عمل الكرملين على إخضاع جزء كبير من الشبكات العسكرية والأمنية التي راكمتها المجموعة في إفريقيا لسيطرة الدولة، عبر تشكيل «أفريكا كوربس»، الذي استوعب عناصر وخبرات وشبكات سابقة لفاغنر، ضمن مقاربة أكثر ارتباطا بالمؤسسة العسكرية الروسية وبالأهداف الرسمية لموسكو.
ولم يكن هذا التحول مجرد إعادة هيكلة تنظيمية، بل عكس توجها نحو إحكام السيطرة على العمليات الخارجية وتوظيف الوجود العسكري في خدمة المصالح السياسية والاستراتيجية الروسية. وقد وجدت موسكو في منطقة الساحل مجالا لتعزيز حضورها، مستفيدة من تراجع النفوذ الفرنسي وانسحاب القوات الغربية من عدد من المواقع، خصوصا في مالي وبوركينا فاسو والنيجر.
لكن استمرار الحرب في أوكرانيا فرض على روسيا ضغوطا متزايدة في مجال الموارد البشرية والعسكرية واللوجستية، ما يجعل إعادة توزيع قواتها الخارجية خيارا مطروحا للحفاظ على مصالحها بأقل كلفة ممكنة. ومن هذا المنطلق، تكتسب فرضية إسناد بعض المهام إلى شركاء إقليميين أهمية خاصة، باعتبارها وسيلة محتملة لاستمرار النفوذ الروسي دون الحاجة إلى حضور عسكري مباشر بالحجم السابق.
وفي هذا السياق، يثير التحرك الجزائري تساؤلات بشأن طبيعة العلاقة التي قد تنشأ بين الجيش الجزائري و«أفريكا كوربس»، خصوصا إذا تجاوزت المهمة تأمين القوافل والمنشآت إلى حماية مواقع عسكرية أو استراتيجية. كما يطرح إشكالية حدود استقلال القرار الجزائري، في حال أصبحت وحداته تؤدي أدوارا تتقاطع عمليا مع الحسابات الأمنية والعسكرية الروسية في المنطقة.
وكانت وكالة الأنباء النيجرية قد تحدثت عن وصول 53 شاحنة صهريجية جزائرية محملة بنحو 1.65 مليون لتر من الوقود إلى أغاديز، في إطار عملية إمداد بالمحروقات. وهي عملية تحمل أهمية اقتصادية ولوجستية بالنسبة إلى النيجر، غير أن مرافقتها عسكريا تفتح النقاش حول طبيعة الانتشار الجاري، وما إذا كان مرتبطا بإجراء ظرفي لتأمين القوافل، أم بمقدمة لوجود عسكري أكثر استمرارية.
ويضع هذا التحرك الجزائر أمام مفارقة سياسية لافتة؛ فهي التي دافعت طويلا عن مبدأ عدم التدخل العسكري خارج الحدود، وقدمت عقيدتها الأمنية باعتبارها قائمة على احترام سيادة الدول ورفض التدخلات الأجنبية، تجد نفسها اليوم أمام احتمال توسيع حضور جيشها خارج حدودها، في بيئة إقليمية تتداخل فيها حسابات القوى الدولية ومصالحها الأمنية.
ولا تتوقف حساسية الخطوة عند علاقتها المحتملة بروسيا، بل تمتد إلى طبيعة الوضع الأمني والسياسي في النيجر، التي لا تمثل مجرد ممر لوجستي أو منطقة يمكن ضبطها عبر تأمين القوافل والمنشآت، بل تواجه تحديات أمنية عميقة، في ظل نشاط الجماعات المسلحة وتراجع الاستقرار المؤسسي وتعقيدات المرحلة الانتقالية.
وتزداد المخاطر إذا اتسعت المهمة الجزائرية لتشمل حماية مباشرة للسلطات الانتقالية أو المشاركة في عمليات ميدانية ضد الجماعات المسلحة، إذ قد يجد الجيش الجزائري نفسه أمام انخراط طويل الأمد في منطقة شاسعة ومعقدة أمنيا، تنشط فيها جماعات مرتبطة بتنظيمي القاعدة والدولة الإسلامية، إلى جانب شبكات التهريب والجريمة المنظمة العابرة للحدود.
وبين الحاجة إلى تأمين الإمدادات وتعزيز الحضور الإقليمي، واحتمال التقاطع مع إعادة ترتيب النفوذ الروسي في الساحل، يبدو أن التحرك الجزائري في النيجر يتجاوز أبعاده اللوجستية المعلنة. لكن تحديد طبيعة هذا الدور يظل رهينا بتوضيحات رسمية بشأن نطاق المهمة ومدتها وقواعد انتشار القوات الجزائرية، وما إذا كانت ستظل محصورة في تأمين القوافل أم ستتحول إلى انخراط عسكري أوسع في معادلات الساحل.

