صلاح الدين الموساوي – مدريد
خصائص في المجتمع الغربي تستحق التثمين
إن الإنصاف يقتضي ألا ننظر إلى المجتمع الغربي من زاوية الاختلاف معه فحسب، بل أن نتأمل أيضا في بعض الخصائص الإيجابية التي راكمتها تجاربه، والتي يمكن أن تشكل أرضية للتعاون والتكامل.
وقد ورد في حديث المستورد القرشي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «تقوم الساعة والروم أكثر الناس»، ثم وصف عمرو بن العاص رضي الله عنه خصالا فيهم، فقال: «إن فيهم لخصالا أربعا: إنهم لأحلم الناس عند فتنة، وأسرعهم إفاقة بعد مصيبة، وأوشكهم كرة بعد فرة، وخيرهم لمسكين ويتيم وضعيف، وخامسة حسنة جميلة: وأمنعهم من ظلم الملوك». رواه مسلم.
ومن خلال هذه الخصال يمكن الوقوف عند عدد من القيم التي نجد لها امتدادات في تجارب المجتمعات الغربية:
1. الحلم وضبط النفس عند الأزمات:ويتجلى ذلك في القدرة على احتواء التوترات، وتدبير الاختلاف، وتجنب الانزلاق إلى الفوضى والصدام.
2. سرعة التعافي واستعادة التوازن:أي القدرة على تجاوز المحن والأزمات، واستخلاص الدروس منها، وإعادة البناء بروح المبادرة والعمل المنظم.
3. روح المبادرة والمثابرة: فالقدرة على النهوض بعد التعثر، واستعادة المبادرة بعد التراجع، من مقومات المجتمعات الحية والمتجددة.
4. الرحمة ورعاية الفئات الهشة: وتتجلى في العناية بالمسكين واليتيم والضعيف، وتطوير مؤسسات الرعاية والتضامن والحماية الاجتماعية.
5. مقاومة الظلم وحماية الحقوق: وهي من القيم التي تعززها المؤسسات القانونية والحقوقية، وتحد من استبداد السلطة وتعسفها.
وفي هذا السياق، يمكن استحضار فكرة العقد الاجتماعي التي تطورت في الفكر السياسي الغربي، ولا سيما عند جان جاك روسو، ومؤداها أن تنظيم المجتمع وشرعية السلطة ينبغي أن يقوما على اتفاق مشترك وإرادة عامة وقانون يحمي الحقوق وينظم الحريات، لا على إرادة فرد أو فئة تستأثر بالسلطة.
ولعل ما تشهده اليوم عدة دول من احتجاجات ومظاهرات سلمية، يعبر عن وعي لدى فئات من المجتمع بحقها في العيش الكريم، ورفضها للظلم والتهميش، ومطالبتها بحماية المكتسبات الاجتماعية وصون الحقوق والحريات. فالمواطنة ليست مجرد التزام بالقوانين وأداء للواجبات، بل هي أيضا مشاركة في الشأن العام، ومساءلة للسلطة، ودفاع مسؤول عن كرامة الإنسان ومصالح المجتمع.
والاحتجاج السلمي، حين يحترم القانون وحقوق الآخرين والممتلكات العامة، يمكن أن يكون إحدى صور هذه المشاركة وأداة لتصحيح الاختلالات وصيانة المكتسبات.
ولا يعني تثمين هذه المكتسبات أن المجتمعات الغربية خالية من الظلم أو التناقضات، وإنما يعني الاعتراف بما راكمته من تجارب إيجابية، والاستفادة منها في بناء مستقبل مشترك.
يتبع…

