صلاح الدين الموساوي – مدريد
مقدمة
لم يعد التعايش بين مكونات المجتمع الواحد مجرد ضرورة تفرضها ظروف التنوع الثقافي والديني، بل أصبح مدخلا أساسيا لبناء مجتمعات متماسكة، قوامها الاحترام المتبادل، والعدالة، والتعاون، والمسؤولية المشتركة.
وفي هذا السياق، فإن العلاقة بين المجتمع الغربي والجماعة المسلمة ينبغي ألا تظل محصورة في حدود التعايش السلبي، أو مجرد قبول الآخر والتسامح معه، بل يجب أن تتطور نحو المشاركة الفاعلة في بناء المجتمع، وصيانة مكتسباته، والإسهام في معالجة تحدياته وصناعة مستقبله.
أولا: رابطة الأخوة الإنسانية و قول الحق
إن الأصل الذي ينبغي أن تنطلق منه العلاقة بين مختلف مكونات المجتمع هو الاعتراف بالإنسان بوصفه إنسانا، قبل النظر إلى دينه أو ثقافته أو أصله أو انتمائه. وهذا المعنى تؤكده الرؤية القرآنية في قوله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13].
فالتعارف الذي تدعو إليه الآية ليس مجرد معرفة شكلية بالآخر، بل هو تواصل وتفاعل وتبادل للخبرات والأفكار، يتيح للإنسان أن يكتشف ما يجمعه بغيره، وأن يحترم ما يختلف فيه عنه. ومن هذا المنطلق، لا ينبغي النظر إلى التنوع الديني والثقافي باعتباره حاجزا يفصل بين الناس، بل باعتباره مصدرا للغنى الإنساني والحضاري.
وفي هذا الإطار، لا يمكن إغفال ما أتاحته التجربة الغربية، في جوانب مهمة منها، من فضاء واسع لحرية التعبير والنقاش وتعدد الآراء، بما يسمح للأفراد والجماعات بالتعبير عن قناعاتهم ومعتقداتهم، ومناقشة القضايا العامة، والدفاع عن اختياراتهم، والمساهمة في تشكيل الوعي المجتمعي. كما أسهمت مبادئ حرية الاعتقاد والتجمع والعمل المدني في خلق فضاء تتجاور فيه ثقافات متعددة، وتلتقي فيه رؤى مختلفة، مع ما يقتضيه ذلك من احترام متبادل واعتراف بحق الاختلاف.
غير أن حرية التعبير لا تكتمل بمجرد إتاحة الكلام، بل تقتضي أيضا الإصغاء إلى المختلف، وقبول حقه في التعبير عن رأيه، واحترام كرامته وحقوقه. فالحرية لا تعني أن نتفق جميعا، وإنما أن نختلف دون إقصاء أو تخوين أو اعتداء، وأن ندير خلافاتنا بالحوار والحجة والقانون.
ومن هنا، فإن الدفاع عن حرية التعبير ينبغي أن يكون موقفا مبدئيا لا انتقائيا، يشمل الجميع، بمن فيهم الأقليات الدينية والثقافية، ما دام التعبير لا يتحول إلى اعتداء على حقوق الآخرين أو تحريض على الكراهية والعنف.
كما أن رابطة الأخوة الإنسانية تقتضي الصدع بالحق، ورفض الظلم والتمييز أيا كان مصدرهما، وأيا كانت هوية الضحية. فلا قيمة للحديث عن التعايش إذا سكتنا عن الظلم، ولا معنى لاحترام الاختلاف إذا لم نحترم كرامة الإنسان وحقه في العيش الكريم.
إن المجتمع المتنوع لا تقاس قوته بغياب الاختلاف، بل بقدرته على تحويله إلى فرصة للتعارف والتعاون، وبمدى نجاحه في ضمان فضاء يشعر فيه كل إنسان بأنه محترم، ومسموع الصوت، وشريك في الحاضر والمستقبل.
يتبع…

