تتزايد مؤشرات التوتر في منطقة الساحل والصحراء، مع تصاعد نشاط الجماعات المسلحة المعارضة في النيجر، وتدهور العلاقات بين نيامي وانجمينا، بالتوازي مع التحركات العسكرية الجزائرية باتجاه الأراضي النيجرية، واتساع الدور المنسوب إلى قوات شرق ليبيا بقيادة خليفة حفتر في معادلات النفوذ عبر الحدود.
وتكتسب هذه التطورات أهمية إضافية بعد موافقة البرلمان الجزائري، في 25 أكتوبر الجاري، على السماح بنشر وحدات من الجيش في منطقة ماداما شمالي النيجر، قرب الحدود الليبية، في خطوة تمثل تحولاً بارزاً في السياسة العسكرية الجزائرية. وتقول الجزائر إن التحرك يستهدف حماية مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية، ولا سيما منشآت الطاقة، لكن تفاصيل الانتشار الفعلي وحجمه وتوقيته لم تُعلن بعد.
في المقابل، تواجه السلطات النيجرية تحديات أمنية متشابكة، تشمل الجماعات الجهادية والتنظيمات المسلحة المناوئة للمجلس العسكري. وتشير تقارير تحليلية إلى أن بعض الفصائل المعارضة تسعى إلى إسقاط النظام، وأن مناطق الحدود الشمالية باتت مسرحاً لتداخل مصالح جماعات مسلحة وأطراف إقليمية. غير أن الحديث عن زحف وشيك نحو العاصمة نيامي يحتاج إلى معطيات ميدانية مؤكدة، ولا يمكن اعتباره أمراً محسوماً.
تشاد وشرق ليبيا.. جبهات متداخلة
ولا تقتصر المخاطر على الداخل النيجري؛ فالعلاقات بين نيامي وانجمينا تشهد توتراً على خلفية اتهامات متبادلة بشأن التعامل مع جماعات مسلحة تنشط في المناطق الحدودية. كما تتحدث تقارير بحثية عن تقارب أمني بين السلطات التشادية وقوات شرق ليبيا، وعن تحركات وعمليات عبر الحدود تستهدف جماعات مسلحة، في بيئة تتداخل فيها الحسابات الأمنية مع صراعات النفوذ وشبكات التهريب.
وفي هذا السياق، لا يمكن تجاهل دور خليفة حفتر، الذي يمتلك قوات مسلحة وشبكات تحالفات محلية وإقليمية، فيما تتحدث تقارير عن صلات بين سلطات شرق ليبيا وبعض الفصائل النيجرية المعارضة. لكن طبيعة هذا الدعم ومداه يظلان من المسائل التي ينبغي تناولها استناداً إلى الأدلة المتاحة، لا إلى الافتراضات وحدها.
التحرك الجزائري.. حماية للمصالح أم توسيع للنفوذ؟
يضع التحرك الجزائري المنطقة أمام معادلة دقيقة. فمن جهة، تبرر الجزائر وجودها العسكري المرتقب بحماية منشآت الطاقة والمصالح الاستراتيجية ومواجهة التهديدات الأمنية. ومن جهة أخرى، فإن نشر قوات خارج الحدود قد يغير حسابات القوى الإقليمية، خصوصاً في منطقة تتنافس فيها أطراف عدة على النفوذ وتتعرض فيها الحدود لتحديات أمنية مستمرة.
ويزيد مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء، الذي يربط نيجيريا بالجزائر عبر النيجر، من الأهمية الاستراتيجية لهذا البلد بالنسبة إلى الجزائر. لكن حماية المصالح الاقتصادية لا تنفصل عن المخاطر المحتملة لأي توسع عسكري في بيئة سياسية وأمنية شديدة الهشاشة.
هل تتجه المنطقة إلى مواجهة أوسع؟
إن تزامن التحركات الجزائرية مع التوتر بين النيجر وتشاد، وتنامي نشاط الجماعات المسلحة، وتداخل حسابات شرق ليبيا، يرفع احتمالات التصعيد ويجعل منطقة الساحل أمام مرحلة حساسة. ومع ذلك، فإن الانتقال من التوترات الحالية إلى حرب إقليمية مفتوحة ليس نتيجة حتمية؛ إذ ستظل طبيعة الانتشار الجزائري، ومواقف دول الجوار، ومسارات الدعم المقدم للفصائل المسلحة، عوامل حاسمة في تحديد اتجاه الأحداث.
السؤال الأساسي لم يعد متعلقاً بقدرة النيجر على مواجهة التهديدات منفردة فحسب، بل بمدى قدرة دول المنطقة على منع تحول أراضيها إلى ساحة لتصفية الحسابات وتوسيع مناطق النفوذ. فهل يبقى التحرك الجزائري محدوداً بحماية المصالح المعلنة، أم يصبح بداية مرحلة جديدة من التنافس العسكري في الساحل؟

