رغم الخطاب الرسمي المتكرر بشأن المكانة الاستراتيجية لمغاربة العالم، ودورهم في دعم الاقتصاد الوطني والدفاع عن المصالح العليا للمملكة وتعزيز إشعاعها الدولي، لا تزال قضايا الجالية المغربية تحضر بقدر محدود في أجندة الأسئلة البرلمانية، في مفارقة تكشف اتساع الهوة بين الاعتراف السياسي بأهمية هذه الفئة وبين مستوى الاهتمام الفعلي بانشغالاتها داخل المؤسسة التشريعية.
ففي الوقت الذي يواجه فيه ملايين المغاربة المقيمين بالخارج ملفات معقدة تتعلق بالخدمات القنصلية، والاستثمار، والعقار، والإرث، والتقاعد، والحماية القانونية، وتسوية الوضعيات الإدارية، فضلاً عن صعوبات نقل الأموال وتدبير الممتلكات، يبدو أن جزءاً كبيراً من هذه القضايا لا يجد طريقه بالقدر الكافي إلى جلسات المساءلة البرلمانية، ولا يتحول إلى ضغط رقابي منتظم على القطاعات الحكومية المعنية.
وتكشف محدودية الأسئلة الموجهة بشأن أوضاع الجالية عن خلل في ترتيب الأولويات البرلمانية، إذ لا يكفي استحضار مغاربة العالم في الخطب والمناسبات الرسمية، أو الإشادة بمساهماتهم المالية والوطنية، بينما تظل مشكلاتهم اليومية خارج دائرة المساءلة السياسية بالوتيرة التي تفرضها أهميتها وحجمها.
والأكثر إثارة للانتقاد أن العلاقة مع الجالية لا تزال، في كثير من الأحيان، محكومة بمنطق استحضار التحويلات المالية والمساهمات الاقتصادية، أكثر من التعامل معها باعتبارها مواطنة كاملة الحقوق، لها انتظارات ومطالب مشروعة، وتحتاج إلى سياسات عمومية فعالة وآليات مؤسساتية تضمن الإنصات إليها وحماية مصالحها.
فمغاربة العالم ليسوا مجرد أرقام في تقارير مكتب الصرف، ولا موسماً سياحياً يتجدد خلال العطلة الصيفية، ولا رصيداً مالياً تستحضره المؤسسات كلما تعلق الأمر بالاستثمار والتحويلات. إنهم مواطنون يواجهون إشكالات حقيقية مع الإدارة والخدمات القنصلية، ويحتاجون إلى برلمان يراقب أداء الحكومة بشأنهم، لا مؤسسة تكتفي بترديد أهمية ارتباطهم بالوطن.
كما أن ضعف التفاعل البرلماني مع هذه الملفات يطرح مسؤولية الفرق والمجموعات النيابية، التي يفترض أن تجعل قضايا الجالية جزءاً ثابتاً من عملها الرقابي، بدل تركها رهينة مبادرات متفرقة أو أسئلة موسمية تبرز مع عودة المغاربة إلى أرض الوطن، ثم تتراجع بمجرد انتهاء العطلة الصيفية.
ولا تتوقف الإشكالية عند عدد الأسئلة البرلمانية، بل تمتد إلى طبيعة القضايا التي يجري طرحها، ومدى ارتباطها بالمشكلات الفعلية التي تواجه الجالية، وقدرة المؤسسة التشريعية على تتبع أجوبة الحكومة وتحويلها إلى التزامات وإجراءات ملموسة. فطرح السؤال البرلماني لا ينبغي أن يكون مجرد تسجيل موقف أو ملء فراغ في جدول الأعمال، بل مدخلاً لمحاسبة المسؤولين عن الاختلالات التي يعاني منها المواطنون داخل الوطن وخارجه.
وفي ظل هذه الصورة، تبرز الحاجة إلى مراجعة جدية لطريقة تعاطي البرلمان مع مغاربة العالم، عبر الانتقال من الخطاب الاحتفالي إلى الرقابة الفعلية، ومن الإشادة بمساهماتهم إلى الدفاع عن حقوقهم، ومن التعامل معهم باعتبارهم مورداً اقتصادياً إلى الاعتراف الكامل بمكانتهم في السياسات العمومية.
فالاختبار الحقيقي لاهتمام البرلمان بمغاربة العالم لا يكمن في عدد المرات التي يستحضر فيها أدوارهم الوطنية، وإنما في قدرته على مساءلة الحكومة بشأن مشكلاتهم، ومتابعة تنفيذ الوعود، وانتزاع حلول للملفات العالقة.
أما استمرار حضور قضايا ملايين المغاربة بالخارج بصورة محتشمة في الأسئلة البرلمانية، فيجعل الخطاب السياسي بشأنهم أقرب إلى إعلان النوايا منه إلى التزام مؤسساتي قابل للمحاسبة، ويطرح سؤالاً جوهرياً: إذا كانت الجالية تحظى بكل هذه الأهمية في الخطاب الرسمي، فلماذا لا تحظى بالمكانة نفسها في أجندة الرقابة البرلمانية؟

