أروى بريس – أزرو
ركنٍ هادئ من مدينة أزرو، كان الموعد مختلفًا.
حفل نهاية الموسم الرياضي الذي نظمته جمعية رياض أزرو لكرة القدم بمدرسة رياض الذهب لم يكن مجرد ختام سنوي، بل كان أشبه بـ”قصيدة تربية” كُتبت بخطى الأطفال، وابتسامات الأمهات، ونظرات الامتنان، وحنان القلوب التي اختارت أن تُربّي أولًا… ثم تُدرّب.
في فضاء يعبق بالماء والهواء والفرح، اجتمع كل شيء:
الرياضة، الأهازيج، الموسيقى، الشهادات، والدموع الخجولة.
لكن خلف كل ذلك، كان هناك ما هو أعمق… رسالة تربوية مكتملة الأركان.
حين تكون الرياضة مجرّد بوابة إلى بناء الإنسان في رياض الذهب، لم تكن الكرة هدفًا في ذاتها، بل وسيلة راقية لتهذيب النفوس الصغيرة.
لم يكن المدرب من يُعلّم فقط تقنيات التسديد، بل كان مربّيًا يُدرّب الطفل على الصبر، على احترام الآخر، على النهوض من العثرات بابتسامة لا تعرف الانهزام.
الرياضة هنا ليست غاية، بل لغة ثانية، تُكتب بها جمل الأخلاق، وتُحكى بها قصص الانضباط والعمل الجماعي.
في هذا المكان، لا أحد يُقصى، ولا أحد يُضحّى به لأجل هدف.
الكل يتقدّم معًا، في مشهد يُشبه الحياة كما نتمناها لأبنائنا.
عبد الرحيم الركي… حين يتحوّل التدريب إلى عشق يومي ومن داخل هذا الفضاء التربوي، يسطع اسم الأستاذ المدرب عبد الرحيم الركي، أحد ركائز هذا المشروع الإنساني.
ليس فقط مدربًا، بل إيقونة رياضية وتربوية، عُرِف بعشقه الكبير لكرة القدم، وبصبره الطويل على تفاصيل التكوين.
في كل حصة تدريبية، يُمارس الركي مهمته بشغف العاشق، لا بروتين الموظف.
ينصت للأطفال، يُشجّعهم، يُعيد تشكيل شخصياتهم من خلال التمرين، ويغرس فيهم تلك المبادئ التي يصعب تعليمها بالكلام فقط: الالتزام، روح الجماعة، احترام المجهود، واللعب النظيف.
إنه نموذج حيّ لمدرب يؤمن أن كرة القدم ليست مجرد مباراة تُربح، بل مدرسة تصنع الإنسان.
في حضوره، تتنفّس التربية كما يجب أن تكون: صبورة، صامتة، لكنها عميقة التأثير.
المدرسة… ليست جدرانًا بل قلب يتّسع للجميع مدرسة رياض الذهب ليست مؤسسة تعليمية عادية.
إنها مساحة تربية شاملة، مشروع إنساني يؤمن أن الطفل لا يحتاج فقط للمعرفة، بل أيضًا للاحتواء، والابتسامة، والحنان.
ومن بين كل تلك الوجوه، تلمع دائمًا ابتسامة رجاء رياض – رئيسة الجمعية، ومديرة المشروع، والمرأة التي تتحرّك كـ”دينامو” لا يهدأ، تحمل في قلبها أكثر من جدول رياضي…
تحمل قلوب الأطفال، ودموع الأمهات، وانشغالات الآباء، ووجع كل من يخاف على الجيل القادم.
رجاء رياض ليست فقط رئيسة جمعية، بل أمٌ بديلة لعشرات القلوب الصغيرة.
تشرف، تُراقب، تُطمئن، تبتسم، ثم تمسح دمعة هنا، وتُشجّع طفلا هناك…
وكلما حاول التعب أن يظهر على ملامحها، ردّت عليه بابتسامة أوسع، وكأنها تقول للعالم: “ما دمتُ قادرة على أن أكون سببًا في سعادة طفل… فلن أتعب أبدًا.”
عبد العالي… الأب الصامت الذي يُنجز كل شيء دون ضجيج
وإلى جوارها، يقف عبد العالي، الرجل الذي لا يُحب الأضواء، لكنه يضيء كل التفاصيل من حوله.
الزوج المثالي، والأب الصبور، و”الجندي الخفي” الذي لا يتعب.
لا يبحث عن التقدير، لكنه يمنح كل شيء.
من تنسيق الميدان، إلى العناية بالفضاء، إلى استقبال الأطفال والآباء كأنهم أفراد من عائلته.
عبد العالي ليس فقط زوج رئيسة الجمعية… إنه أب الجميع.
لا يتكلم كثيرًا، لكنه يحضر دائمًا.
يشتغل أكثر مما يُرى، ويحب أكثر مما يُقال.
هو ذلك الظل الطيب الذي يستند عليه المشروع دون أن يشعر أحد، لكنه حاضر في كل لحظة، وفي كل ابتسامة.
أحيدوس، الموسيقى، والتربية عبر الفرح أن يدخل فن أحيدوس ساحات المدرسة، هو إعلان ضمني أن الهوية لا تُعلّم في الكتب فقط، بل تُعاش وسط الأطفال، في الرقص الجماعي، وفي النغمة المتوارثة.
وفي حضور الفرق الموسيقية، رأينا الفرح يأخذ شكلًا تربويًا راقيًا… كأننا نُربّي الأطفال على حب الحياة، لا فقط على قوانين الكرة.
حينما تصفق المدينة لأطفالها
جلست الأمهات على المقاعد، وقف الآباء يلتقطون الصور، وصفّقت المدينة لأبنائها دون حساب.
لم يكن التصفيق لأهداف أُحرزت، بل لنوايا طيّبة، ومسار تربوي نقيّ، ومؤسسة تملك القلب قبل الميزانية.
الكل حضر، الكل فرح… لأن الكل اشتغل بقلبه ما ميّز هذا الحفل أكثر من أي شيء آخر، هو أن كل من شارك في تنظيمه قام بدوره بحُب لا بواجب.
من الشباب المتطوعين، إلى الفريق التنظيمي، والمشرفين على الفقرات، وموزّعي الشواهد، وحتى من قدّم السربايا بابتسامة صادقة… لم يكن أحدهم يُنفّذ مهامًا، بل يُقدّم نفسه.
الكل حضر، الكل اشتغل، الكل شارك في صناعة فرحة جماعية نادرة، لأنهم ببساطة آمنوا أن الطفل يستحق أن يُكرَّم ويُفرح به.
وحين يعمل الجميع بهذا الروح، تتحول المدرسة إلى وطن صغير، يحتضن أبناءه دون شروط.
رياض الذهب… مدرسة تزرع الإنسان قبل اللاعب ما حدث في هذا الحفل، لم يكن عرضًا عابرًا. كان صوتًا ناعمًا يقول: هنا تُبنى الأجيال… بالحب، بالهوية، وبالمعنى.
وفي مدرسة تؤمن أن الطفل كائن يستحق أن يُرى، أن يُسمع، أن يُحتفى به…
وفي حضرة نساء ورجال آمنوا برسالة التربية النبيلة – من رجاء رياض إلى عبد الرحيم الركي، وعبد العالي، وكل فريق الظل –
ندرك تمامًا أن هناك من لا يزال يشتغل في الظل، ليُضيء حياة الآخرين

