بديعة الراضي
لم يعد بالإمكان التعامل مع ما جرى في مؤتمر قادة الاستخبارات العسكرية في طرابلس باعتباره مجرد سهو بروتوكولي عابر. فحين تمسّ الرموز السيادية، فإن الأمر يتجاوز الخطأ التقني ليطرح أسئلة عميقة حول خلفيات الفعل ودلالاته في سياق إقليمي شديد التعقيد.
إن عرض خريطة مبتورة للمملكة المغربية داخل فضاء رسمي، وتحت إشراف حكومة يقودها عبد الحميد الدبيبة، لا يمكن فصله عن حساسية قضية الوحدة الترابية للمغرب، التي لم تعد مجرد ملف إقليمي قابل للتأويل، بل تحولت، في السنوات الأخيرة، إلى قضية حسم فيها المجتمع الدولي بشكل متزايد لصالح الطرح المغربي.
فالمغرب اليوم لا يدافع عن أطروحة معزولة، بل يستند إلى تراكم دبلوماسي متين ترجم إلى اعترافات متتالية، وافتتاح قنصليات في الأقاليم الجنوبية، ودعم واضح لمبادرة الحكم الذاتي باعتبارها حلا واقعيا وذا مصداقية. هذا التحول جعل ملف الصحراء ينتقل من دائرة النزاع السياسي المفتوح إلى مستوى التدبير العملي، حيث أصبح الرهان الأساسي هو تسهيل عودة أبناء المنطقة إلى الاندماج الكامل في دينامية التنمية التي تعرفها هذه الأقاليم.
في هذا السياق، تبدو مثل هذه “المنزلقات” أقرب إلى لعب صغير داخل محيط إقليمي معقد، أكثر منها تعبيرا عن تأثير حقيقي في مسار قضية حسمت معالمها الكبرى. فمحاولات التشويش عبر خرائط مبتورة أو إشارات رمزية لم تعد قادرة على التأثير في واقع سياسي يتجه نحو التثبيت، بل تكشف، في المقابل، عن محدودية أدوات من يقفون خلفها.
لقد أثبت المغرب، عبر محطات متعددة، من اتفاق الصخيرات إلى لقاءات بوزنيقة، أنه فاعل إقليمي يتبنى منطق الحكمة والتوازن، بعيداً عن مناورات الاصطفاف أو الاستثمار في الأزمات. وهو ما جعل حضوره في الملف الليبي حضور وسيط موثوق، يسعى إلى لم الشمل بدل تأجيج الانقسام.
من هنا، فإن الرد المغربي الحقيقي لا ينبغي أن ينزلق إلى مستوى التوتر أو الانفعال، بل أن يستمر في نفس النهج: هدوء في الموقف، صلابة في الدفاع عن الثوابت، وثقة في المسار الذي راكم شرعية دولية ومؤسساتية واسعة.
إن المغرب، وهو يعزز موقعه كشريك موثوق على الصعيدين الإقليمي والدولي، يدرك أن قوته لا تكمن فقط في رد الفعل، بل في قدرته على تجاوز مثل هذه السقطات دون أن يسمح لها بتشويش رؤيته الاستراتيجية. فالدول الكبيرة لا تستفز بسهولة، بل تربك خصومها بثباتها.
وهكذا، فإن ما حدث في طرابلس، رغم رمزيته السلبية، لن يكون سوى لحظة عابرة في مسار قضية تتجه نحو الحسم النهائي، بينما يواصل المغرب ترسيخ حضوره كدولة حكيمة، تفضل بناء الحلول على الانجرار وراء الاستفزازات.

