عدنان مخلص – اروى بريس
ترسم التوقعات والفرضيات الماكرو اقتصادية لمشروع قانون المالية لسنة 2027 معالم التوجهات المالية والسياسات العمومية التي تتبناها الحكومة الحالية، وذلك في سعيها لتحقيق توازن دقيق بين طموح تعزيز الاستثمارات الكبرى واستكمال بناء الدولة الاجتماعية من جهة، وضرورة الحفاظ على الاستقرار المالي والانضباط الميزانياتي من جهة ثانية. وتعد هذه المؤشرات بمثابة القاعدة المرجعية التي تتحدد بناء عليها تقديرات موارد الدولة ومستوى نفقاتها التنموية والتسييرية، متأثرة في ذلك بتفاعلات المناخ الاقتصادي الدولي والظرفية المناخية والإنتاجية الوطنية.
فعلى مستوى النشاط العام، راهنت التقديرات الحكومية على وتيرة نمو اقتصادي وطني تستقر في حدود 3.7% خلال سنة 2027، وهي نسبة تعكس الحذر والواقعية في التعاطي مع تباطؤ الطلب الخارجي والضغوط الجيوسياسية والتجارية التي يشهدها العالم. ويتزامن هذا التوقع مع استمرار التحكم في الضغوط التضخمية، حيث حدد معدل التضخم في مستوى مستقر ومضبوط لا يتجاوز 1.5% بفعل التنسيق المحكم بين السياسة الميزانياتية والإجراءات النقدية الحذرة، بما يدعم الاستقرار النسبي للأسعار ويحافظ على القدرة الشرائية للمواطنين.
وفيما يتعلق بالقطاع الفلاحي والمحددات الطاقية وأسواق الصرف، اعتمدت الميزانية على فرضية إنتاج محصول وطني من الحبوب يبلغ 70 مليون قنطار، آخذة بعين الاعتبار توالي سنوات الجفاف واستراتيجيات التكيف مع الإجهاد المائي. كما قدرت الفرضيات سعر غاز البوتان في الأسواق الدولية عند حدود 600 دولار للطن لتحديد كلفة نفقات المقاصة المرتقبة، إلى جانب احتساب سعر صرف مرجعي للأورو مقابل الدولار في حدود 1.163، مع توقع نمو الطلب الخارجي الموجه للمغرب بنسبة تناهز 2.6%. وتنسجم هذه المعطيات مع مسار المبادلات الخارجية الذي يرتقب فيه تسجيل نمو للصادرات من السلع والخدمات بنسبة 7.7%، يقابله ارتفاع الواردات بنسبة 8%.
وتتوج هذه الهندسة المالية بالحرص على استدامة التوازنات الكبرى للمالية العمومية والتحكم في كلفة الدين، حيث يستهدف المشروع إبقاء عجز الميزانية عند سقف 3% من الناتج الداخلي الخام، مواصلة لنهج التقليص التدريجي المعتمد في السنوات الأخيرة. وفي الوقت نفسه، تتجه المديونية نحو مسار نزولي واضح، إذ يرتقب أن يتراجع رصيد دين الخزينة إلى 66.9% من الناتج الداخلي الخام في سنة 2027، تمهيدا لبلوغ هدف 62% بحلول سنة 2031، مما يمنح الاقتصاد الوطني هامش أمان متين للوفاء بالالتزامات التنموية ومواصلة الأوراش الاستراتيجية الكبرى.
وفي قراءة نقدية لمجمل هذه التقديرات، يتجلى بوضوح نضج تدبيري يرتقي بالسياسة المالية الوطنية فوق فخ التفاؤل المفرط، ليؤسس لنموذج قوامه الواقعية البناءة والجرأة التنموية المسؤولة. حيث إن اعتماد فرضيات متحفظة يمثل صمام أمان حقيقي يحمي الإنفاق العمومي من الهزات المفاجئة، ويؤكد أن الانضباط المالي لم يعد قيدا حسابيا، بل غدا رافعة سيادية تتيح تمويل الأوراش الاجتماعية الكبرى ومشاريع البنية التحتية الاستراتيجية باستدامة وثقة، مما يعزز مناعة الاقتصاد الوطني ويجعله أكثر قدرة على تحويل التحديات الإقليمية والدولية إلى فرص للنمو والإدماج.

