بقلم: يحي يحياوي – Yahya Yahyaoui
تدخل السياسة الأوروبية للهجرة مرحلة جديدة من التشدد، تتجاوز مجرد مراقبة الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي، لتشمل تسريع إجراءات اللجوء، وتكثيف عمليات الإعادة والترحيل، وتوسيع الدور العملياتي لوكالة حرس الحدود والسواحل الأوروبية «فرونتكس».
وخلف هذه التحولات القانونية والمؤسساتية يبرز سؤال استراتيجي يهم المغرب بشكل مباشر: إلى أي حد يمكن للمملكة أن تواصل تعاونها مع الاتحاد الأوروبي في مجال الهجرة، دون أن تتحول تدريجياً إلى امتداد أمني وعملياتي لحدوده الخارجية؟
يحتل المغرب موقعاً استثنائياً في هذه المعادلة. فهو بلد منشأ للمهاجرين، وبلد عبور، وأصبح كذلك بلد استقبال واستقرار لعدد من المهاجرين القادمين من مناطق مختلفة من إفريقيا. كما يمثل شريكاً أساسياً للاتحاد الأوروبي في تدبير التحركات البشرية بين ضفتي المتوسط.
غير أن أهمية هذا الموقع الجغرافي والاستراتيجي تطرح تحدياً سياسياً حقيقياً: كيف يمكن تحويل التعاون الأوروبي المغربي إلى شراكة متوازنة، بدلاً من أن يصبح وسيلة لنقل جزء متزايد من مسؤوليات إدارة الحدود الأوروبية إلى الأراضي المغربية؟
لقد شكل دخول الميثاق الأوروبي للهجرة واللجوء حيز التطبيق في 12 يونيو 2026 محطة مهمة في هذا المسار. وتراهن بروكسل من خلاله على توحيد الإجراءات، وتسريع معالجة طلبات اللجوء، وتعزيز مراقبة الحدود، وتحسين تنفيذ قرارات العودة. وتكشف هذه السياسة عن توجه أوروبي واضح نحو إعادة تنظيم إدارة الهجرة، ليس داخل الاتحاد فقط، بل أيضاً من خلال علاقاته مع الدول الشريكة خارجه.
المغرب ضمن قائمة بلدان المنشأ الآمنة: تصنيف قانوني بأبعاد سياسية
من أبرز المستجدات التي تستحق اهتمام المغرب اعتماد اللائحة الأوروبية المشتركة الأولى لبلدان المنشأ الآمنة، بموجب النظام الأوروبي رقم 2026/464 الصادر في 24 فبراير 2026.
وتضم هذه اللائحة سبع دول، هي: بنغلاديش وكولومبيا ومصر والهند وكوسوفو والمغرب وتونس. كما تشمل، وفق شروط واستثناءات قانونية محددة، الدول المرشحة للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.
ويحمل إدراج المغرب في هذه القائمة دلالات قانونية ودبلوماسية مهمة، لأنه قد يؤدي إلى إخضاع بعض طلبات اللجوء المقدمة من مواطنيه في الدول الأوروبية لإجراءات سريعة.
لكن من الضروري التمييز بين اعتبار دولة ما آمنة بصفة عامة، وبين الوضعية الفردية لكل مواطن من مواطنيها.
فالتصنيف لا يعني أن جميع المغاربة الموجودين في أوروبا محرومون تلقائياً من حق طلب الحماية الدولية. إذ يظل من حق كل شخص إثبات تعرضه لاضطهاد أو تهديد أو مخاطر خاصة تستوجب دراسة وضعه بصورة فردية.
فالمعارض السياسي الذي يتعرض للاضطهاد، أو الصحفي المهدد بسبب نشاطه، أو الشخص الذي يواجه خطراً حقيقياً على سلامته، لا يمكن التعامل مع وضعه فقط انطلاقاً من التصنيف العام لبلده.
وهنا تبرز أهمية الضمانات القانونية التي يكرسها نظام اللجوء الأوروبي، وفي مقدمتها احترام مبدأ عدم الإعادة القسرية وضمان حق الطعن والتقييم الفردي للمخاطر.
وهناك أيضاً تمييز قانوني بالغ الأهمية بين مفهومين كثيراً ما يقع الخلط بينهما: «بلد المنشأ الآمن» و«البلد الثالث الآمن».
فالنظام الأوروبي 2026/464 يتعلق ببلدان المنشأ الآمنة، في حين أن النظام 2026/463 الصادر في 24 فبراير 2026 يتعلق بشروط تطبيق مفهوم البلد الثالث الآمن.
وقد وسّع التنظيم الجديد إمكانات تطبيق هذا المفهوم، حيث يمكن الاستناد إلى وجود صلة بين طالب اللجوء والبلد المعني، أو مروره عبره، أو وجود اتفاق أو ترتيب ينص على دراسة طلبه للحصول على حماية فعلية فيه، وفق الضمانات القانونية المطلوبة.
وبالتالي، فإن إدراج المغرب ضمن قائمة بلدان المنشأ الآمنة لا يعني تلقائياً اعتباره بلداً ثالثاً آمناً يمكن للاتحاد الأوروبي نقل طالبي اللجوء الأجانب إليه. فلكل مفهوم شروطه القانونية وآثاره الخاصة.
وهذا التمييز ليس مجرد تفصيل قانوني، بل يتعلق مباشرة بسيادة المغرب وبطبيعة الالتزامات التي يمكن أن يتحملها في إطار تعاونه مع أوروبا.
فرونتكس: أوروبا توسّع نفوذها العملياتي خارج حدودها
يشكل المقترح الذي قدمته المفوضية الأوروبية في 27 أكتوبر 2026 لتعزيز صلاحيات فرونتكس مؤشراً آخر على التحول الجاري في السياسة الأوروبية للهجرة.
فبروكسل تقترح رفع القدرة التدريجية للفيلق الدائم للوكالة إلى 30 ألف عنصر، وإحداث قوة للتدخل السريع، وتعزيز دورها في عمليات الإعادة، فضلاً عن تطوير آليات التنسيق والوسائل التكنولوجية المستخدمة في مراقبة الحدود.
والأكثر أهمية من الناحية الجيوسياسية أن المقترح يتيح لفرونتكس تقديم دعم تقني وعملياتي لدول خارج الاتحاد الأوروبي في عمليات إعادة تتم بين دولة غير عضو وأخرى، شريطة وجود اتفاق مع الدولة المعنية واحترام الحقوق الأساسية والمعايير الدولية.
بالنسبة إلى المغرب، تفرض هذه التطورات قراءة استراتيجية دقيقة.
فالتعاون الأمني مع الدول الأوروبية يمثل جزءاً من الشراكة القائمة بين الجانبين، لكنه لا ينبغي أن يؤدي إلى تداخل غير واضح بين الاختصاصات الوطنية والمهام العملياتية للوكالات الأوروبية.
ومن الضروري تحديد طبيعة التدخلات، وحدود الصلاحيات، والمسؤوليات القانونية، وآليات الرقابة على العمليات التي قد تتم داخل المجال المغربي أو بمشاركة مؤسساته.
كما يجب التأكيد على أن إصلاح فرونتكس المعلن عنه في 27 أكتوبر لا يزال مجرد مقترح تشريعي، ولم يصبح قانوناً نهائياً. إذ يتعين على البرلمان الأوروبي ومجلس الاتحاد الأوروبي دراسته والموافقة عليه.
ومن هنا، لا يتعلق الأمر بمجرد زيادة عدد عناصر الوكالة، بل بإعادة التفكير في طبيعة العلاقة بين الأمن الأوروبي والتعاون مع دول الجوار الجنوبي.
مراكز العودة: هل تصبح دول الجنوب جزءاً من منظومة الترحيل الأوروبية؟
في الأول من أكتوبر 2026، أعطى مجلس الاتحاد الأوروبي موافقته النهائية على قواعد أوروبية جديدة لتنظيم عودة مواطني الدول غير الأعضاء الذين لا يملكون حق الإقامة داخل الاتحاد.
ومن بين أبرز المستجدات التي تضمنتها هذه القواعد إمكانية إنشاء ما يسمى «مراكز العودة» في دول خارج الاتحاد الأوروبي.
وتسمح هذه الآلية بنقل أشخاص صدرت بحقهم قرارات عودة أوروبية إلى مراكز موجودة في دول ثالثة، شريطة إبرام اتفاق أو ترتيب مع الدولة المعنية واحترام المعايير الدولية لحقوق الإنسان ومبدأ عدم الإعادة القسرية. كما تستثني هذه الترتيبات القاصرين غير المصحوبين بذويهم.
وهنا يجب التمييز بين الإمكانية القانونية التي أتاحها الاتحاد الأوروبي وبين موافقة الدولة الشريكة.
فوجود إطار تشريعي أوروبي يسمح بإنشاء مراكز العودة لا يعني أن المغرب ملزم باستقبال أشخاص مرحّلين من أوروبا، ولا يشكل قراراً بإنشاء مراكز من هذا النوع فوق أراضيه.
إن أي اتفاق محتمل من هذا القبيل ينبغي أن يخضع لتفاوض سيادي واضح، وأن يحدد بشكل دقيق طبيعة المسؤوليات، وشروط الإقامة، والتمويل، والإشراف القانوني والحقوقي.
ومن يضمن الخدمات الصحية والمواكبة القانونية؟ ومن يتحمل مسؤولية الأشخاص الذين قد لا تقبل بلدانهم الأصلية إعادتهم؟ وكيف يمكن منع تحول هذه المراكز إلى فضاءات احتجاز طويلة الأمد دون أفق قانوني واضح؟
هذه الأسئلة تجعل من ملف مراكز العودة أحد أكثر الملفات حساسية في مستقبل العلاقات المغربية الأوروبية.
فالمغرب لا يمكن أن يتحمل مسؤوليات جديدة دون اتفاقات واضحة، وضمانات قانونية ملزمة، وتمويل متناسب مع الالتزامات المتفق عليها.
البعد الاقتصادي: حماية الرأسمال البشري المغربي
لا تقتصر انعكاسات السياسة الأوروبية الجديدة على الجانب الأمني والقانوني، بل تمتد إلى المصالح الاقتصادية والاستراتيجية للمغرب.
فالجالية المغربية المقيمة بالخارج تشكل أحد أهم جسور التواصل الاقتصادي والاجتماعي بين المملكة وأوروبا. كما تساهم في دعم الاقتصاد الوطني من خلال التحويلات المالية والاستثمارات ونقل الخبرات وتطوير العلاقات المهنية والتجارية.
ومن هذا المنطلق، فإن تشديد سياسات التنقل والهجرة قد تكون له آثار على حركة الكفاءات المغربية، والتبادل الجامعي، والتنقل المهني، وفرص الاستثمار والتعاون بين ضفتي المتوسط.
وفي المقابل، تواجه قطاعات عديدة في أوروبا احتياجات متزايدة إلى اليد العاملة، خصوصاً في مجالات الصحة والرعاية والبناء والصناعة والخدمات والتكنولوجيا.
وتبرز هنا مفارقة واضحة: كيف يمكن لأوروبا أن تسعى إلى جذب الكفاءات والعمالة الأجنبية لتلبية حاجاتها الاقتصادية، بينما تعمل في الوقت نفسه على تشديد القيود على بعض أشكال التنقل والهجرة؟
هذه المفارقة تستدعي من الرباط وبروكسل تطوير آليات جديدة للهجرة القانونية، تقوم على التكوين المهني، والاعتراف بالشهادات، والتنقل المنظم، وبرامج التوظيف، والتبادل الجامعي والعلمي.
إن المصلحة المغربية لا تكمن فقط في ضبط تدفقات الهجرة، بل في تحويل الموقع الاستراتيجي للمملكة إلى فرصة لجذب الاستثمارات وتطوير الكفاءات وتعزيز مكانة المغرب الاقتصادية بين أوروبا وإفريقيا.
نحو شراكة مغربية أوروبية قائمة على الندية وتوازن المصالح
أمام هذه التحولات، يحتاج المغرب إلى مقاربة استراتيجية تقوم على ثلاثة مرتكزات أساسية.
أولاً: حماية السيادة الوطنية.
يتعين أن يظل أي تعاون يتعلق بمراكز العودة أو العمليات الأمنية أو إعادة المهاجرين خاضعاً لاتفاقات واضحة، يتم التفاوض بشأنها بحرية، وتحدد الاختصاصات والمسؤوليات والضمانات القانونية.
ثانياً: حماية المواطنين المغاربة في أوروبا.
يقتضي ذلك تعزيز المواكبة القنصلية، وتوفير المعلومات القانونية، ومتابعة أوضاع المغاربة المعنيين بإجراءات اللجوء والإبعاد، وضمان احترام حقوقهم وفق القوانين والاتفاقيات الدولية.
ثالثاً: المطالبة بتوازن حقيقي في الشراكة الاقتصادية والإنسانية.
لا ينبغي أن تختزل العلاقات المغربية الأوروبية في التعاون الأمني والهجرة. فمن مصلحة المملكة تطوير مسارات التنقل القانوني، وتوسيع فرص العمل والتكوين، وتعزيز الاعتراف بالمؤهلات، وتشجيع الاستثمارات ونقل التكنولوجيا والخبرات.
كما أن هذه المقاربة ينبغي أن تتجاوز الإطار الثنائي لتأخذ بعداً إفريقياً أوسع، بالنظر إلى دور المغرب في القارة وعلاقاته مع الدول الإفريقية.
فالمملكة مؤهلة للمساهمة في صياغة رؤية إفريقية متوازنة لإدارة الهجرة، تقوم على التعاون الإقليمي وتقاسم المسؤوليات ومعالجة الأسباب الاقتصادية والاجتماعية التي تدفع إلى التنقل.
الخلاصة: هل يريد المغرب أن يكون شريكاً في إدارة الحدود أم طرفاً في صياغة مستقبلها؟
تكشف التحولات الأخيرة في السياسة الأوروبية للهجرة عن إعادة تشكيل تدريجية للعلاقة بين الاتحاد الأوروبي ودول جنوب المتوسط.
فأوروبا تسعى إلى تعزيز قدرتها على مراقبة حدودها، وتسريع عمليات العودة، وتوسيع التعاون الأمني والعملياتي مع شركائها الخارجيين. وهذه توجهات ترتبط بحسابات سياسية وأمنية واقتصادية داخل الاتحاد.
لكن بالنسبة إلى المغرب، لا يتعلق الأمر بمجرد الاستجابة للتحولات الأوروبية، بل بتحديد موقع المملكة في معادلة إقليمية ودولية تتغير قواعدها.
إن الموقع الجغرافي للمغرب يمنحه أهمية استراتيجية، لكن هذه الأهمية ينبغي أن تتحول إلى قوة تفاوضية تخدم التنمية الوطنية، وتحمي المصالح الاقتصادية والاجتماعية، وتصون القرار السيادي.
فالتعاون مع أوروبا لا يتعارض مع السيادة المغربية، كما أن الدفاع عن السيادة لا يستوجب التخلي عن الشراكة الاستراتيجية. التحدي الحقيقي هو بناء علاقة تقوم على التوازن والوضوح والمصالح المتبادلة.
السؤال الذي ينبغي أن يظل مفتوحاً أمام صناع القرار في الرباط وبروكسل ليس فقط: إلى أي حد يمكن للمغرب أن يساعد أوروبا على مراقبة حدودها؟ بل أيضاً: ما الذي ينبغي أن تحصل عليه المملكة مقابل هذا الدور، وما موقعها في صياغة السياسة التي ستحدد مستقبل التنقل بين القارتين؟
فالمغرب لا ينبغي أن يكون مجرد فضاء لتدبير تداعيات السياسة الأوروبية للهجرة، بل شريكاً سيادياً في تحديد قواعد التعاون ومستقبل العلاقات بين أوروبا وإفريقيا.
يحي يحياوي – YAHYA YAHYAOUI
محلل سياسي وجيوسياسي، مهتم بالعلاقات الأوروبية الإفريقية، والسياسات العمومية، وقضايا الهجرة

