عدنان مخلص – اروى بريس
شكلت المناقشة العامة لمشروع قانون المالية لسنة 2027 بمجلس النواب محطة سياسية بارزة لطرح القضايا الاجتماعية الكبرى على طاولة التشريح والتقييم، حيث برزت مداخلة النائب البرلماني عن حزب الأصالة والمعاصرة، أديب بن إبراهيم، كقراءة نقدية متكاملة تلامس إشكالات التشغيل، وحدود التوازنات الماكرو-اقتصادية في علاقتها بالأجور، وتحديات الرقمنة في حكامة المنظومة الاستشفائية الوطنية.
وقد استهل بن إبراهيم مرافعته بتسليط الضوء على المعضلة المقلقة لفئة الشباب المتواجدين خارج دائرة التعليم والتكوين وسوق الشغل، والمعروفين دوليا باصطلاح “النييت” (NEET). وفي هذا السياق، ثمن النائب إقدام الحكومة على إحداث المنصة الوطنية الموحدة لتسجيل وتشغيل هذه الفئة كإجراء محوري حمله مشروع الميزانية، مؤكدا أن هذه الخطوة تمثل تجسيدا عمليا لما كان قد تبناه حزب الأصالة والمعاصرة ضمن برنامجه الانتخابي قبل أن يتحول إلى تدبير عمومي ملموس مع قيادة الحزب للعمل الحكومي. واعتبر هذا التوجه دليلا على الوفاء بالعهود السياسية ونقل الالتزامات من حيز الوعود الانتخابية إلى واقع السياسات العمومية.
غير أن الترحيب بهذا الإجراء لم يمنع المتحدث من الدعوة إلى تعميق أثره وتوسيع مداه ليشمل فئات تعاني من إقصاء مركب. وشدد في هذا الصدد على ضرورة إدماج قاطني الأحياء الهامشية ضمن قاعدة المستهدفين بخدمات هذه المنصة، بالنظر إلى العراقيل البنيوية والاقتصادية والاجتماعية التي تحول بينهم وبين فرص الترقية المهنية والعمل اللائق.
وامتدادا للمقاربة الإدماجية ذاتها، فتح بن إبراهيم ملفا يوصف بالحساس، يتعلق بالأشخاص الذين سبق لهم قضاء عقوبات سالبة للحرية داخل المؤسسات السجنية. واعتبر أن استمرار رفض تشغيل هؤلاء المواطنين بفعل سوابقهم القضائية يشكل حجر عثرة حقيقيا أمام إعادة اندماجهم في النسيج المجتمعي والإنتاجي. واستحضر النائب شكايات ملحة كان قد عاينها بشكل مباشر أثناء تواصله مع المواطنين خلال الحملات الانتخابية، مجددا التأكيد على أن سد أبواب الرزق أمام من أدوا واجبهم القضائي يدفع نحو الانتكاس، في حين يفرض المنطق الإنساني والتنموي منحهم فرصة ثانية عبر إدراجهم ضمن منصة التشغيل، وتوفير آليات التأهيل والمواكبة الكفيلة بفتح مسارات مهنية كريمة تحفظ كرامتهم.
ولم يفت البرلماني ربط هذه الطموحات بإصلاح بيئة العمل ككل، حيث أشاد بمضامين مشروع قانون المالية الرامية إلى تعزيز قدرات جهاز تفتيش الشغل، مبرزا أن هذه الخطوة ركيزة أساسية لفرض احترام التشريعات الاجتماعية، وحماية حقوق الطبقة الشغيلة، وتأمين بيئة إنتاجية متوازنة وعادلة.
وفي المحور المتعلق بالأجور، حسم بن إبراهيم الجدل القائم بشفافية لافتة، نافيا بشكل قاطع أن يكون حزب الأصالة والمعاصرة قد التزم في برنامجه الانتخابي برفع الحد الأدنى للأجور إلى 5000 درهم، ومؤكدا أن هذا الوعد لم يرد إطلاقا في وثائق الحزب، كما لم تلتزم به أحزاب الاستقلال أو الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية أو التقدم والاشتراكية. وأوضح أن هذا الرقم كان التزاما أطلقه الحزب الذي قاد الحكومة السابقة، مشيرا إلى أن الأصالة والمعاصرة لم يقف حجر عثرة أمام تنفيذه في حينه، بل طالب من قدم الوعد بتحمله والوفاء به قبل نهاية ولايته الحكومية طالما كان يملك القرار وصلاحيات اللازمة لتنزيل ذلك.
وحذر بن إبراهيم من الانسياق وراء المزايدات الرقمية غير المبنية على قراءة واقعية للاقتصاد الوطني، مؤكدا بالحسابات الدقيقة أن تطبيق زيادة تصل بالحد الأدنى للأجور إلى عتبة 5000 درهم بشكل فجائي سيرفع أعباء ومصاريف المقاولات بنسبة تصل إلى 56 في المائة. وفصل خطورة هذا الارتفاع بطرح نموذج لمقاولة صغيرة أو متوسطة تضم 10 أجراء، والتي قد تتكبد تكاليف سنوية جسيمة، ما سيجعلها محاصرة بين خيارين كلاهما مر: فإما أن تعمد إلى رفع أسعار منتجاتها وخدماتها لتعويض تكاليف الإنتاج الإضافية، وهو ما سيقوض القدرة الشرائية لعموم المستهلكين ويفاقم التضخم؛ أو تلجأ مجبرة إلى تسريح جزء من عمالتها لتقليص كتلة الأجور، ما يعني تدمير مناصب الشغل بدلا من خلقها. وعزز طرحه بنموذج لمقاولة كبرى تشغل 20 ألف عامل، مبينا أنها قد تضطر، في حال فرض تلك الكلفة دون تدرج أو دراسة مسبقة، إلى الاستغناء عن ما يقارب 7000 عامل للحفاظ على استقرار أعبائها وتفادي الإفلاس.
وخلص النائب إلى أن تحسين الدخل ورفع القدرة الشرائية للأجراء يظلان هدفين مشروعين وضروريين، لكن بلوغهما يقتضي تزامنا وتناغما صارما مع وتيرة النمو الاقتصادي وقدرة الشركات على امتصاص الزيادات المالية. ورأى أن الأولويات الواقعية تفرض حاليا الحرص على تطبيق الحد الأدنى للأجور الجاري به العمل دون تملص، وتوفير شروط العمل اللائق، وصيانة استقرار مناصب الشغل القائمة وتنميتها.
وانتقل بن إبراهيم في ختام مداخلته إلى الشق الاجتماعي المرتبط بالقطاع الصحي، مؤكدا أن نجاح ورش الدولة الاجتماعية يرتبط عضويا بقدرة المراكز الاستشفائية والمستشفيات العمومية على الاستجابة لحاجيات المواطنين وتقديم علاج فعلي وذي جودة. وشدد على أن ضخ الموارد وتشييد البنيات التحتية لن يؤتيا ثمارهما المنشودة ما لم يواكبهما اعتماد نظام معلوماتي دقيق ومدمج لتتبع ملفات المستفيدين.
واستحضر النائب في هذا السياق الدروس المستخلصة من تنزيل نظام المساعدة الطبية “راميد”، الذي وإن شكل في أصله ورشا ملكيا رائدا وبالغ الأهمية، إلا أن ممارسته الميدانية كشفت عن صعوبات واختلالات حقيقية ناتجة عن غياب البنية المعلوماتية وآليات الرقابة والتتبع الكافية. وأوضح أن المستشفيات كانت تجد نفسها في ارتباك تدبيري عاجزة عن التدقيق في الوضعية الاجتماعية الحقيقية للمرضى، وتفتقر إلى وسيلة إلكترونية موثوقة للتمييز الموضوعي بين الفئات المعوزة المستحقة للعلاج المجاني وتلك القادرة على أداء التكاليف.
واختتم بن إبراهيم تأكيده بأن الحفاظ على نجاعة الموارد المالية العمومية المخصصة للصحة، وضمان وصول الرعاية الطبية لمستحقيها الفعليين في ظروف تضمن الكرامة والمساواة، يفرضان التلازم الحتمي بين تطوير البنيات الاستشفائية وإحكام آليات الحكامة والتدبير المرقمن تفادياً لتكرار أخطاء الماضي.

